الرئيسية \ مقابلات \
 
2011/07/10
مقابلات
المطران يوحنا ابراهيم : سورية كما أراها اليوم
الكاتب : سليمان الصدي

لوس أنجلوس ـ كاليفورنيا
يشعر كل إنسان وطني بأن مساحة حبه لوطنه تفوق مساحة وطنه الجغرافية بكثير، فكيف إذا كان هذا الوطن سورية. ومن أجمل ما قرأت أن سورية تعني بالسنسكريتية الشمس. أجل إنها شمس المحبة، شمس العروبة، ولا يمكن لأحد أن يخفي الشمس بغربال.
سورية حقيقة ساطعة، لأنها منذ بدء الشمس في شمرا، ومنذ فجر الفن في روما حصلت الحضارة والفكر والتاريخ، منها جوليا دومنا، وزنوبيا، وعلى أرضها سار بولس الرسول يشدو الأنغام الإلهية، وفي سهولها وروابيها توقدت شعلة الإسلام، ولا تزال سورية إنجيلاً للحب، وقرآناً للسلام، لا تزال تعطي للإنسان إنسانيته، سورية تلمس الصحراء، فيغدو الرمل ربيعاً، فمهما نسجت فتن، ومهما صنعت محن، فلن نخشى على قلب الشام، لأننا ذرات شامية، ولأنها الروح في أبداننا، ولن تكون الشام شامة على خد الزمن، إن الزمن على خدها شامة.
إننا وإن ابتعدنا فيزيائياً عن سورية الأم، نشعر أنها تعيش فينا، وتكبر في ذواتنا، يؤلمنا ألمها، ويفرحنا فرحها، وقد كانت فرصة طيبة زيارة رجل الشام الوطني، ورجل التسامح الديني سيادة مطران السريان الأرثوذكس في حلب غريغوريوس يوحنا ابراهيم، الجالية السورية في كاليفورنيا الامريكية، وكان لنا معه اللقاء التالي :

- باسم النادي السوري، وباسمي شخصياً نرحب بكم ضيفاً كريماً على الجالية السورية والعربية في لوس أنجلوس، ونرجو أن تحدثنا عن سبب زيارتكم لولاية كاليفورنيا الامريكية؟
أود بداية أن أعبر عن شكري وتقديري للنادي السوري لدعوته الكريمة لي للقاء بعض وجوه الجالية السورية والعربية. أما السبب الأساس لزيارتي فهو عائلي، وبمعنى آخر زيارة أهلنا الموجودين في بلاد الاغتراب، ولعل السبب الأهم هو التعرف إلى هذه الوجوه الباسمة التي غادرت الوطن لأسباب مختلفة، وسماع معاناتهم، وأفكارهم، ورؤيتهم للأحداث الدائرة الآن في سورية. فبلدنا يمر في الوقت الحالي بأزمة عصيبة تحتاج لتضافر أيدي أبنائها جميعاً داخل الوطن وخارجه.

- لقد سبق لك لقاء مع الجالية السورية قبل يومين، وقد تناهى إلى سمعي من بعض الأصدقاء الذين كان لهم شرف لقائك أن موقف سيادتكم كانت وطنية وجريئة وصريحة، وقد أعطت أنموذجاً وطنياً يحتذى به ؟
أشكر لك هذا الإطراء أستاذ سليمان، والحقيقة كانت لي لقاءات سابقة مع الجالية تحدثنا من خلالها عن وجع الوطن، وفكرنا بطريقة للم الجراح، وكيف تشفى النفوس، فلقاءاتي كلها كان محورها الوطن سورية.

- هل لي أن أسأل عن رأيك بردود الفعل التي تلقيتها من حواراتك السابقة لا سيما أنها كانت حوارات مع صحفيين ومثقفين، وما الرسالة التي تحملها للجالية السورية من أجل تعزيز الموقف السوري ؟
النقطة الأولى التي حازت اهتمامنا ونقاشنا هي أن سورية وطن للجميع، ولا شيء يعلو عليه، ونحن دائماً نشدد على اللحمة الوطنية، ونصّر على العيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد، ولتحقيق هذه الرسالة تكلمت عن ما يجري في وطننا الغالي. فنحن نعترف أن البلد بحاجة إلى إصلاحات، ولسنا ضد من يطالب بها، ويرغب في القضاء على الفساد المستشري في مجتمعنا، ونحترم من يرغب في أن يجعل هذا الوطن مثالياً بأقصى التعابير، لكن ما يزعجنا ويؤرقنا أن تلجأ فئة إلى العنف واستخدام السلاح، وترفض الحوار. وهو الأمر الذي جلب لنا كثيراً من المتاعب والفوضى. وهذه الفئة لا هدف لها سوى إسقاط النظام، ونحن نؤكد أن معالجة المشكلات في المجتمع لا تتطلب بالضرورة إسقاط النظام، طالما أنه يرغب في الإصلاح والتطوير وليس جامداً.
بالحوار الحقيقي فقط يمكن أن نصل إلى تحقيق الأهداف، ومن دونه سندخل في سرداب معتم طويل، فإذا حلّت الفوضى ـ لا سمح الله ـ يجب أن نتوقع كل شيء، ستقع في حرب طائفية مقيتة، وسيتجزأ الوطن، ويحل الخراب، فالخطاب الطائفي المقيت خطاب هدّام، ولا يمكن أن يطور البلد.
ومن هذا المنطلق يجب أن نصّر على أن نقف صفاً واحداً لنحافظ على الحالة الجميلة للوطن، وبعدها نستطيع أن نحل جميع الإشكالات بالحوار الوطني، ويجب أن يعلم الجميع أن هنالك بعض الذين لا همّ لهم سوى تخريب سورية، وهم مرتبطون بأجندات خارجية، كما يجب أن نعرف أن أعداء سورية كثيرون، وهذه الأزمة كشفت لنا كثيراً من المفاجأت. فأصدقاء لنا في الماضي أصبحوا في هذه الأزمة أعداء، ولكي نرد على هذه العداوة الخارجية يجب أن يكون لدينا تكاتف حقيقي غير متغافلين عن الأفعال التي تؤذي الوطن، ويجب أن نلتقي جميعاً على محبة الوطن.

- سيادة المطران أرجو أن تدلي برأيك بصراحة نحن جميعاً مع الإصلاح واقتلاع الفساد، لكن في سورية الآن فوضى وشهداء، من يتحمل مسؤولية هذه الأحداث، وما الحوار الذي تنشدونه ؟ ومع من ؟
إن هناك بعض الأخطاء الفردية التي قام بها بعض أفراد الجيش والشرطة، وهذا أمر طبيعي في حالة الدفاع عن النفس، لكن ذلك لا يعني أن الحكومة أقرّت بهذه الأمور، فحين يكون هنالك اعتداء على المواطنين توجد مخططات أجنبية تسعى لإحباط الناس، وللحكومة الحق في أن تدافع عن هيبتها، أنا لا أدافع عن الحكومة حين تقتل، ولكن إذا اعتدى بعضهم على بعض أفراد شرطتها أو بعض أفراد الجيش العربي السوري فهل تتوقع من الحكومة أن تقف مكتوفة الأيدي. هذا العمل نوع من الدفاع عن النفس، ورد فعل، أما الفعل فيحدث حين يحمل السلاح في وجه الدولة من بعض الجهات، ويفترض أن ترد الحكومة في هذا الحال بما يناسب الوضع الطارئ. نحن المسيحيين ضد القتل بكل أشكاله، والوصية تقول : لا تقتل، لأن القتل خطيئة في ديننا، على أية حال شعرت الدولة أن القتل متعمد، ومن حقها محاسبة القاتلين وملاحقتهم. أما الحوار فنحن مقتنعون به، وكثير من الأشخاص كانوا يرون أن الحوار كان مغلقاً أمامهم، أما الآن فقد جاء من يسمعهم، ولدينا الكثير من القضايا التي يجب أن تكون موضوع حوار مثل : قانون الطوارئ، والتعددية الحزبية، والفساد، وحقوق الإنسان أفراداً وجماعات، واحترام التعددية المذهبية، والاعتراف بالآخر.

- ما رأي سيادتكم بتصريحات القادة الأتراك حول التدخل العسكري في سورية إذا لم يوضع حد للمشكلات الداخلية ؟
فيما يتعلق بتحالفات دول الجوار هنالك مشكلة حقيقية، فرؤية سورية للتحالفات ليست رؤية استراتيجية بينما من تحالف معنا له رؤية استراتيجية مدروسة، ينظر من خلالها إلى مصلحته. وسأعطيك مثلاً، حين تطورت العلاقة بين سورية وتركيا فكّرت سورية بالمياه فقط، أما تركيا فقط كان لها أجندة للعلاقة لمدة طويلة، ومن ضمنها التهديد بالتدخل العسكري، فحين لا تفكر بأبعاد من يريد أن يتحالف معك تقع في مشكلة، لقد كانت نظرة تركيا نظرة استغلالية تقوم على حنين العودة إلى العثمانيين. فحين قيل لأحد السلاطين أن استنبول ستسقط قال : بصراحة وليكن، لدينا حلب. فأطماعهم في سورية قديمة. أما قطر فلديها برنامج خاص، فنحن في سورية فتحنا أبوابنا لهؤلاء الناس بكل محبة وصدق، نحن أصحاب ضمير حي، ولا توجد لدينا أجندات مخفية كما يفعلون، هذا هو الخطأ لدى السوريين، لكن للدول المجاورة مصالح مع سورية، ومن مصلحة بعضها أن تسقط سورية. نحن في سورية تناسينا أن تركيا احتلتنا أربعمئة سنة، ونسينا تهديدات تركيا التي كانت تصلنا إلى وقت قريب.

- أين تضع سورية الآن بالنسبة إلى تحالفاتها القادمة ؟
أنصح بأن نفكر ملياً قبل التوقيع على أي اتفاقية، وأن ننظر إلى مصالحنا، وأن يكون لدينا رؤية استراتيجية، ومصالح بعيدة، وألا نسمح لأية دولة كانت أن تستغل الوضع الراهن في بلدنا لتنفيذ أمور ربما تنعكس علينا سلباً في المستقبل، متمنياً لبلدي سورية ولكل الشعب السوري الخير والمحبة والحوار الوطني لنصل بسورية إلى بر الأمان، ولنُسمع العالم صوتنا فنحن أصحاب حق، وسنُطالب به، ولن نسمح بأي تدخل خارجي يزعزع أمن الوطن.

- كيف تقيم التحالف الإيراني السوري ؟ هل هي علاقة مصلحة ؟
أنا لا أستطيع أن أعلق على هذا الأمر، لأن هنالك استراتيجية معينة تربط بين الطرفين، ومما لا شك فيه أن ثمة مكاسب من خلال العلاقة بإيران.

- نحن السوريين في المغترب نشعر بقلق شديد من جراء تطورات الأحداث في سورية، ما رأيك بمستقبل الأحداث ؟
أقدر حرصكم على مستقبل سورية، وقد لمست فيكم الوطنية الصادقة، وحب الوطن، والرغبة في الانتقال إلى وطن ديمقراطي حر. سورية سترتقي بالمحبة بين الطوائف كافة فهي قدوة للعيش المشترك، ومواقفها مشرفة وواضحة تجاه القضايا العربية، بالحب ستجد سورية حلاً لمشكلاتها، وأتمنى أن نراك في سورية وطنك الأم، وأن تزورنا في حلب.

شكراً لك سيادة المطران، مع تمنياتي لك بالعودة إلى الوطن سالماً، وأرجو أن تنقل عشقي لوطن يأكل ويشرب وينام معي، إلى بلد كلما تلفظت بحروف اسمه تساقطت عبراتي. قل لوطني إني سأسعى جاهداً لأؤدي واجبي تجاهه بكل ما أوتيت من قوة، أحمله معي بقلبي الذي لا ينبض إلا بكلمة سورية.
أرجو أن توصل رسالتنا إلى أبناء الوطن بشبابه وشيبه وأطفاله، إن هذا البلد بلدكم، أحملوا راية المحبة والسلام، ولنبن سورية الحديثة لتكون مثالاً يحتذى في الحرية والديمقراطية. وفقكم الله.

 
المصدر : سورية يا حبيبتي
عودة
 

الصور  

Warning: mysql_connect() [function.mysql-connect]: Lost connection to MySQL server at 'reading initial communication packet', system error: 110 in /home/smylove/public_html/smvu17/connection.php on line 1

Warning: mysql_select_db() [function.mysql-select-db]: Access denied for user 'smylove'@'localhost' (using password: NO) in /home/smylove/public_html/smvu17/connection.php on line 1

Warning: mysql_select_db() [function.mysql-select-db]: A link to the server could not be established in /home/smylove/public_html/smvu17/connection.php on line 1

Warning: mysql_query() [function.mysql-query]: Access denied for user 'smylove'@'localhost' (using password: NO) in /home/smylove/public_html/show_menu_counter.php on line 10

Warning: mysql_query() [function.mysql-query]: A link to the server could not be established in /home/smylove/public_html/show_menu_counter.php on line 10