الرئيسية \ مقابلات \
 
2012/01/10
مقابلات
الأديب سمير طحان في حوار خاص مع موقع سورية يا حبيبتي
الكاتب : نغم قدسية

من كان مستعداً للموت .. فلا شيء يخيفه

جبل شامخ غني بالاشجار المثمرة و الينابيع العذبة .. جبل لا تهزه الرياح مهما كانت عاتية

 

أمام انفجار لغم حربي صمد المحارب سمير ..
أمام هجمات أعداء النجاح صمد الفنان سمير ..
أمام تقييمات ضعيفي تذوق الجمال و الإبداع صمد المبدع سمير ..
بقوته و جبروته ..بوقوف بعض نبلاء المجتمع إلى جانبه صمد البطل سمير ..

 

و من تجربته الطويلة و حياته الغنية بالفخر حدثنا الأديب سمير طحان عن جزء بسيط من آلامه و معاناته فكان لنا الحوار التالي :

 

- في البداية ماذا تحدثنا عن سمير الطفل؟

 

سمير طفل شقي ، تربيت في بيت عربي و هو بيت جدتي ، عشت في جو من النسوة بما أن يومياً كان رجال العائلة يذهبون إلى أشغالهم فكنت أبقى مع والدتي و جدتي ، كنت أستقي كتاباتي الأولى من أحاديث النساء و هذا الشيء أعتز و افتخر به لأن جدتي و والدتي كانوا ممن يحترمون الأطفال و يحترمون وجودهم ، و نحن متعلقون بالأم لا شعورياً و لازلت أعتز و افتخر بهذه الفترة من حياتي ، و بدأت كتاباتي عندما كنت أستمع إلى الأحاديث اليومية و المشاكل اليومية التي تحكى ، حيث أدركت في طفولتي قيمة هذه الأحاديث و بدأت أجمعها في دفاتر ، و كما تعلمون تمتاز حلب بطربها الأصيل ، فكانت عائلتي عائلة موسيقية ، و تأثرت بهذه الأجواء الغنائية و الموسيقية ، و كانت أول أعمالي تأليف مقاطع جديدة للأغاني الشعبية و كنت أحرص على أن أستمع إلى رأي من حولي فيما أكتبه ، أسسنا أنا و رفاقي في الحي نادي أطلقنا عليه اسم   نادي الحارة   و بدأت أقوم من خلاله بتمثيليات مأخوذة من الدفاتر التي كتبتها ، على سبيل المثال كتبت حوار بين البخيل و الكريم و عدة حوارات تشبه هذا النمط ، و ضم كتابي الجديد   ظواهر وجد بن وجدان   حوالي 23 حوار من هذه الحوارات ، و هي عبارة عن أمثال و هناك من هم مع البخل و هناك من هم مع الكرم ، و الناس ظاهرياً تفسّر هذا الشيء على أنه تعارض و لكنه في الحقيقة ليس تعارضاً و إنما خزان الحياة ففي الحياة نرى السالب و الموجب.
كما كنا نقوم في هذا النادي بمسرحيات لشكسبير و لتوفيق الحكيم و كان هناك أيضاً فرع رياضي للنادي و شاركنا في عدة حفلات .

 

- من المعروف أن الكتابة أخذت جزء كبير و صدى واسع في حياتك ، متى تشعر نفسك بحاجة ماسة للكتابة ؟

 

أنا في حالة كتابة دائمة و إن لم أكتب في يديّ ، أكتب في ذهني و تفكيري ، فأنا لا أتوقف عن التأليف و ذهني لا يتوقف عن التفكير .

 

- إبداعك لم ينحصر في مجال الأدب و حسب بل  إنما تميّزت في عدة رسومات ، ماذا تحدثنا عن الرسام سمير طحان ؟

 

نحن تربينا على أن نكون شموليين في مواهبنا و ثقافتنا و اهتماماتنا لذلك كان منزلنا شبيه بالمركز الثقافي ، و قمنا أنا و إخوتي بإنشاء مكتبة ضخمة و مازلت محتفظ بقسم من هذه المكتبة في منزلي الحالي ، كما كنا نقوم بأمسيات موسيقية و شعرية و عروض لفنانين و رسامين ، و بناءً على هذا كنّا نقوم بالرسم أيضاً ، و لي رسومات عدة قمت برسمها قبل الحادث و لكن زوجتي صادرتها و لا أملك أي شيء من هذه اللوحات.
أما الأعمال التي نشرتها مثل ولاويل بردى و الحكواتي الحلبي و الحكواتي السوري ، كلها أغلفة قمت برسمها قبل الحادث و لي رسوم بعد الحادث أيضاً صادرتها زوجتي.
و بعدما تعرضت للحادث أصبح أغلب الرسامين يلاحظون ان وجهي صالح للرسم و كلما قابلت رسام كان يرسمني.

 

- البطل سمير طحان الذي قدم تضحيات كبيرة لسورية ما هي سورية بالنسبة لك ؟

 

إذا سألنا الشجرة من أين هي ، تقول أنا من الأرض و سورية هي الأرض التي ولدت فيها و أعتقد أن هناك حكمة خاصة لولادتي في سورية ، فـ سورية بالنسبة لي هي الأصالة و العراقة و هي بنفس الوقت الحداثة و المعاصرة ، حيث تميزت سورية بلمستها السحرية في تحويل كل من يغزو سورية إلى أناس حضاريين ، و سورية هي انتماء أسري .. سورية مثل أمي و أبي و هي الأرض التي علمتني محبة الإنسان و دور سورية الحضاري لا ينكر ابداً.

 

- كما تعلم مرّت على سورية فترات و مراحل عديدة و أنت كنت من الأشخاص الموجودين في هذه المراحل فماذا تحدثنا عن المحارب سمير طحان ؟

 

أول توجه عربي كان لي في وقت العدوان الثلاثي و كانت تعم حلب أجواء من الفوضى.
وبدأت في هذا العمر ألاحظ خريطة التقسيم التي كانوا يريدون تنفيذها في بلادنا و بدأ التهديد التركي عام 1957 و كان والدي يذهب إلى الدفاع الشعبي و كان يشرح لنا كيف يقومو بتدريبهم و تسليحهم .
و أصبحت الوحدة بين سورية و مصر و كنا بمعزل عن الجذور السورية و كما كنا نؤكد على أن للوحدة العربية ضرورة و الجذور العربية هي أساسية ، و عندما حصل الانفصال شعرنا و كأنه أصبح شرخ كبير و شيء مؤلم بالنسبة لنا ، و لما قامت ثورة البعث استعدنا النفس السوري العربي ، حيث كان هذا الانفصال طعنة بالقلب ، حول هذا الانفصال الانفعال السياسي و الوطني إلى عقلانية سياسية و وطنية .
و منذ بدء تأسيس جبهة التحرير الفلسطينية أصبحنا نفكر في بديل عن الأشياء النظرية بأشياء عملية ، و في عام 1967 - 1968 انضممت إلى الجيش رغبةً مني في المساهمة و الدفاع عن وطني بشكل عملي .
و أثناء خدمتي في الجيش
أفرزت إلى مدرسة الهندسة العسكرية و تخرجت في اختصاص نقّاب ألغام أخصائي متفجرات ألغام ، و خلال فترة خدمتي أفرزت إلى الجولان و أطلقوا على هذه الفترة اسم حرب الاستنزاف.
و صدر أمر من القيادة بزرع الجبل ألغام مضادة للأفراد ، و في أثناء عمليات الزراعة شعرت بأن اللغم الذي أمسكه بيدي هو لغم عاطل ، فكان معي بضع ثوان للتفكير في إما أن أرمي اللغم و يذهب عدة ضحايا أو أن أحتضن اللغم و تذهب ضحية واحدة ، فقررت أن أضحي بنفسي بدلاً من أن يذهب عدد كبير من الضحايا.

- ماذا تخبرنا عن شعورك عندما علمت بأن اللغم سوف ينفجر؟

أنا تأثرت جداً بجملة قرأتها في إحدى المرات و هي من كتاب التأملات الروحية للرهبان 

من كان مستعداً للموت فلا شيء يخيفه وعندما قرأت هذه الجملة كنت في عمر التاسعة و أخذت هذه العبارة صدى واسع داخلي ، و في لحظة ما قبل انفجار اللغم كنت أفكر في هذه الجملة التي زادتني قوة.

- هل تتمنى لو كنت شهيداً ؟

في الواقع أعتبر حياتي من وقت إصابتي و حتى الآن أعتبر نفسي الشهيد الحي و أعتبر حياتي من بعد الحادثة حياة زائدة و كلها عبارة عن معاناة و ألم ، و استطعت أن اتأقلم مع وضعي فقد تقبلت ذاتي عندما تقبلتني والدتي و بعدها اعتمدت على جهدي الخاص و بمساعدة أهلي و من حولي .
و لا أنكر أن زوجتي ساهمت مساهمة كبيرة في نهضتي في البداية ثم اعادت استشهادي مرة ثانية و هذا ما أسميه
اللغم البشري و الذي هو زوجتي التي أخذت كل شي جمعته في حياتي من كتب ، و رسوم ، و مؤلفات ، و مال ، و طردتني من منزلي بعد أن صادرت كل ما أملكه ، و لم يتبق لي سوى أن أعود إلى بيت والدتي و الذي متواجد فيه حالياً .

و أؤكد أن حياتي هي استشهاد و منذ إصابتي في الحادثة و أنا أعاتب و ألوم وزارة الدفاع ،  وزارة الثقافة ، اتحاد كتاب العرب ،  رئاسة الوزراء و الجميع ، لأنهم لم يشملوننا ، نحن شهداء و ضحايا الحروب قبل حرب تشرين بقانون حرب تشرين ، و هنا أشعر بالمفارقة فعندما أصبت بالإعاقة وجدت أن قانون المعاقين متخلف ، قررت أن أسعى لتعديل هذا القانون و سافرت إلى اسبانيا و فرنسا ، قمت بجمع تواقيع لكبار الفلاسفة و الكتّاب و قمت بدراسة القانون الإسباني و القانون الفرنسي ، كما قمت بدراسة جديدة لقانون ضحايا الحرب و قدمته للعميد بغدادي في وزارة الدفاع ، و لما صدرت الدراسة الجديدة شملت كل الضحايا الجدد و لم تشملنا .. كنت السبب في إصدار هذا القانون الجديد و مع ذلك لم يشملني.
و أما بالنسبة لفقداني نعمة البصر ، قد قام بزيارتي إثر إصابتي بالحادثة ، السيد الرئيس الراحل حافظ الأسد في
المشفى و قد قام بالتوقيع على طلب سفري لاسبانيا مباشرة لكي أتعالج .
و لا شك انني أحمل ألم كبير في داخلي من الطبيب المعالج الذي بسبب هوى شخصي لم يسمح لي انذاك بالسفر
مرة ثانية الى اسبانيا لاستعادة بصري بشكل كامل .. حيث كان من الممكن ان استعيد بصري ولكن للاسف رفض
ان يوفدني.
و انا واثق انه لو سمحت لي الفرصة أن التقي بالسيد الرئيس الراحل حافظ الأسد لكان اوفدني ...
ولم يكتف الطبيب المعالج بعدم السماح لي بالسفر و انما احالني الى التقاعد ، و أحلت  بناء على القانون القديم
براتب 275 ل.س دون أي تعويض ...و جملة أمور تزايدت علي من انفجار اللغم العسكري  و اهمال أهل وطني لمصيبتي كما خذلتني زوجتي وهذا ما أعيد و أسميه اللغم البشري ..

-  كما تعلم  بأن سورية تطورت وتغيرت و سمير طحان كان متواجد في عدة أزمنة في سورية ..في حال التقيت بسيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد ماذا تقول له ؟

النهضة العلمية .. لم تتقدم الدول إلا بثلاث عوامل ، العامل الأول هو العودة إلى ما سبق ، أي ألا نحصر دراسة التاريخ في المدارس ، فقط في فترة الإسلام و ما بعد بل و إنما نعود إلى ما سبق و ندرّس طلاب المدارس كتب تتحدث عن تاريخ ما قبل الإسلام ، و يجب أن تكون الدراسة شمولية في طور الدين و طور التاريخ و طور العولمة في عصرنا الحالي ، و بذلك لا يصبح الإنسان محدود المعرفة و إنما العكس.
و العامل الثاني من عوامل النهضة هو التراث الشعبي ، فجميع الدول أعلنت كليات لدراسة التراث الشعبي ، و
أساس التراث الشعبي هو خزان روح الشعب و التي يمكن من خلالها استنباط برنامج لتطور الشعب في المستقبل .
و اما العامل الثالث فهو العلم ... فالعلم هو الأساس ، و نستطيع أن نلخص الفكرة بأنه لا يقضي على مشاكل
الانسان و مشاكل العالم سوى ثلاث امور وهي: المحبة... والتي هي الملجأ الوحيد للانسان من الظلم و انا دائما أردد جملة وهي     حسبي الحب بديلاً عن الحق و نعم البديل

وعلى سبيل المثال الدولة لم تكن عادلة معي ولكن محبة الناس لي هي التي عوضت الميزان
تأمين العمل للناس ... فالعمل يشفي من مئات الامراض .
و الامر الثالث و الاخير هو العلم ، انا أحببت حزب البعث كثيراً فهو حزب علماني لكنه تراجع .
و العلمانية لا تنفي الدين ولكن تفصل بين الدين و الدولة وهو أهم أساس من أسس الحضارة الغربية .

- ماذا ينصح المناضل سمير طحان بخصوص الأوضاع التي نعيشها في سورية حالياً ؟

نحن الأن في حريق... و المفروض اولاً هو اطفاء الحريق
صب الزيت فوق النار ليس من شيم الثوار ولا الأبرار .. بل من شيم الأشرار
وأنا أدعو كافة فئات الشعب و أدعو كل مواطن سوري الى اطفاء النار وبعد اطفاء النار تأتي مرحلة اعادة البناء وبعدها تأتي مرحلة منع الحرائق في المستقبل .
وهناك مثل روسي يقول اذا أردت ان تقضي على شيء فشكل له لجنة ، و المفروض الان أن تقوم هيئة الحوار بدورها ويكون الحوار في كل شارع وفي كل حي ومع كل عشيرة وتكون مرحلة تهدئة العواصف و مسح اصلاحي في سورية.
وهذه الهيئة تستطيع تقديم مقترحات نابعة من الشعب ذاته ، فاذا اعتمدنا فقط على المثقفين و الاكادميين لن تكون نتائجنا شمولية لكافة الفئات .. فنحن بحاجة لأرضية شعبية في الحوار

- هل من رسالة توجهها لشبابنا ؟

أقول لشبابنا أنتم من يجب أن توجهوا لنا رسائل وحالياً شبابنا يتمتعون بالوعي و الانفتاح وكما يتمتعون بقدرات و امكانيات متوفرة يجب أن يستخدموها في المكان الصحيح ، و يجب ان تكونوا ايها الشباب قادة ومن خلالكم يتبلور الفكر الجديد، كما يجب ان تسخّروا الطاقات العملية التي تمتلكوها لخدمة الوطن.

- في الختام هل من كلمة نختم فيها هذا الحوار ؟

لكل انسان وطنان ، وطنه سورية ووطنه الأصيل
لا تتخلوا عن نزعتكم الانسانية العامة
ساعدونا لنبقى حقاً مثلما كنا في التاريخ صنّاع الحضارة الانسانية ... ساعدونا لنبقى في مقدمة قادة العولمة الانسانية.

 
المصدر : سورية يا حبيبتي
عودة
 

الصور  
  16/07/2011 : التاريخ علاء : الاسم  
يا الله معقول ... عنجد بكيت و انا عم اقراء الخبر هاد الانسان موسوعة علم و ادب ... شكرا على هذه المقالة الرائعة ..
: التعليق  
  07/09/2011 : التاريخ SALLY : الاسم  
اليوم للي التقيت فيك ياصديقي واستازي سمير كان يوم مميز جدا لأن عرفت فيه معنى العظمة .. تحية لك ايها الشهيد الحي ..
: التعليق  
 
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة